أم دويس
هذه قصة توقف شعر الرأس,وتقصم رأس الفأس, وتبكي الفرحان, و تقتل الحيران... ولذلك.. ارجو ممن يجد في نفسه شيئا من الإرهاف في الحس ألا يقرءها.
أحداث هذه الحادثة حدثت بدبي سنة 1945 واحدثت حديثا لم ينتهي التحدث عنه بعد..وقد يبقى للأبد.
وهذا ما جرى..
الفصل فصل شتاء..واليوم يوم الأربعاء.. والغيوم تلبد السماء.. وفي الأفق ترى امرأة هزيلة تحمل رجلاها حملا.. وقد اثقلتا من التعب.. انها "أم دويس" .. تلك المرأة المأسوف على شبابها..
لقد تركت ابوظبي وجاءت مشيا على الأقدام.. واي اقدام.. اقدام امراة رقيقة... جاءت وهي تريد بيت اهلها في دبي.. وذلك لأن زوجها قد قتل في معركة ثأرية ,فلم يبق لها اهل ولا اصحاب هناك.. ولأنها كانت حاملا ,فقد أخذ منها عناء السفر كل مأخذ.. ونزفت قدماها,وصارت وكأنهما لأمرأة في الستين خريفا من عمرها, وهي لم تكن قد تجاوزت الربيع الثامن عشر..
وأجاءها المخاض عند عرقوب الدويس.. في هور العنز...وكانت لوحدها.. لا أم ولا صاحبة تلهفها.. والجوع والعطش كانا ملازمين لها وكادا ان يفتكا بها.. فلم يتحمل فؤادها الم الوحدة والحسرة..
وليت جراحهم في الجسم لكن... جراح النفس تفتك بالرجال
لم تجد حلا سوى البكاء والعويل.... وعيناهاالسوداوتانو الواسعتان, قد انكمشتا من الحزن فهي كظيمة.. ورموشها البنية الطويلة تبللت وكادت ان تسقط.. وانهمرت الدموع,واخذت تحفر خديها الحمراوين الناعمين... ووقعت على الأرض..
وهنا انتهزت الذئاب الشرسة والضباع العسسة تلك الفرصة, وانقضت عليها واخذت تاكل من اطرافها شيئا فشيئا, الى ان ساد المكان هدوء قاتل وجو غير متفائل.
وفي اليوم التالي كان الشيخ حمد يتجول مع الحرس في تلك الأجواء.. الى ان ادهشهم ما اوحشهم.. راو ثعبانا ضخما -غولا- امامهم.. فوقفوا واجمين جامدين, وجن جنون الخيل والقت بكل من كان على ظهرها, و ولت الأدبار, ومضت الى ان اختفت عن الأنظار.
الكل بين واقف وساقط ... لم يتفوهو ببنت شفة .. الى ان تملك احدهم الشجاعة ,والقى اليه بحجر فسقط على الأرض... وكيف سقط... لقد كان الغول ميتا في حينه وكان وكأنما الدماء قد جمدت في عروقة لشيء لم يسر الناظرين ..
ولهول الموقف اومأ الشيخ حمد لحرسه بالمسير.. ولم يمض الكثير حتى وجدوا جثة هامدة... انها ام دويس بنت خالة الشيخ حمد...
انا لله وانا اليه راجعون.. هذا ما تلفظ به الشيخ وهو يجفف دموعه.. لماذا هي لوحدها... ولماذا اكلت منها السباع الأطراف وابقت بالباقي.. واين جنينها... فقد كان بطنها مبقورا...
وأّمّ الشيخ في حرسه , وصلى عليها ودفنها , والدموع لم تفارق عينيه.. وامر صحبه بالمكوث خلال الليل حيث هم.. الى ان يحل الصبح.. وغدا لناظره قريب...
وجن عليهم الليل وأمطرت السماء كالسيل.. وانذرت بليل طويل وبارد وبائس... فبدأوا يستوحشون الصبح وكأنه قد مرض وغاب... وجاعوا.. فلم يسد الرمق الا اللعاب.. والقوا على المطر العتاب.. وحصل منهم على كل سباب...
وبعد ساعات كأنها اشهر وسنون... صرخ احدهم وتلاه آخر وآخر من بعدهم حتى وكأن الصراخ عم نصف الموجودين...وخرج الكل ليرى ما حصل وماحصل هو الحاصل: لقد اصبح ثلاثة من الحرس كالكشة , قد ملأ الشعر جسده حتى فمه من الداخل, وكادوا ان يختنقوا , بل واختنقوا , وثلاثة قد سقط منهم الجلد حتى نزفوا ونزفوا , وثلاثة قد تآكل جسمهم, وكلهم كان يصارع لأجل الحياة ولكن كان الموت لهم بالمرصاد.
لم يستطع الشيخ ان يصبر أكثر, فأمر كل من معه بعدم لمس من مات , وان يحملوا اثقالهم الى بلد ءامن.. وساروا مع ساري الليل.. والكل بين خائف ومرتعب... بين حزين وكئيب.. لم يبق منهم سوى الشيخ وثلاثة ءاخرون.. وكل يظن ان دوره بالطريق... .
وهنا سقط احدهم على الأرض فصرخ من بجواره.. لقد فصل رأسه عن جسده .. ليس بالسيف وانما بالخلع...ولكن من وكيف؟؟
وساد صمت اخرسه صراخ آخر... آه يا بطني .. انه احد رجال الشيخ حمد ... وهنا انفتح بطنه وخرج منه جنين كأنه رؤوس الشياطين... وصرخ الجنين فيهم..." انا دويس, وامي ماتت محزونةووحيدة, وكل من يمر من هنا سيموت غما وكمدا"... وانقض على آخر رجال الشيخ حمد.. وفلت الشيخ لوحده, وأخذ بالجري الى أن مر على قرية فأخبرهم بمن هو وما حصل وقال " ان نورة-ام دويس- وجدت ميتة , وهي زوجة الشيخ عبدالله القاطن في أبوظبي.. وحذرهم من لعنة ام دويس... ولكن اصابه مرض يسقط عنه اطرافه, وظل كذلك الى ان مات في اليوم الثالث..
والناس فريقان بين مصدق ومكذب.