تمثلت فيها الحشمة و الوقار , و التفاؤل المتجدد دوما .. غير أني كنت ألمح بين عينيها بين فينة و أخرى سحابة حزن و حرقة تخرج في ثنايا الكلمات .. تكره التحدث عن الماضي كما يكره التائب العودة إلى الكفر , يغبطها الناس على ذكائها الوقاد و طموحها المحلق في الأجواز البعيدة البعيدة , و يحسبونها سعيدة ترافقها البسمات و تحوطها الأمنيات , و لهم العذر في ذلك فأغلبهم لا يعلم بحالها و لا بهمومها التي تدمي العين و تقض المضاجع .. تمناها أكثرهم _ حين رأى فيها صفاتا مؤهلة رائعة _ زوجة تسعده وتملأ حياته بحكمتها و إحساسها المرهف .. و بالفعل حاول الكثيرون التقرب منها و السؤال عنها و التحدث إليها بشيء من الأدب و الذوق و كلما رأت منهما إقبالا عليها إزدادت هي إعراضا عنهم و إحجاما عن التحدث إليهم .. فجرحها لا يندمل و عبرتها لا تنقطع .. و حين علم هؤلاء من مصادر خاصة أنها مطلقة تطايروا من حولها و ابتعدوا وحمدوا الله أن نجاهم من ورطة كبيرة .. و حين سألتهم ما المانع من التقدم لخطبتها رغم طلاقها تفننوا في إبداء المعاذير و الحجج مستشهدين بحكايات و أمثال تسمعها الأذن و لا يقبلها العقل .. يعلم الله لم أشاهد فتاة مثلها في حياتي في أدبها الجم و إحساسها المرهف و ثقافتها العالية و أمانتها و صدقها العجيب المعجب .. غير أن كل ذلك لم يشفع لها في مجتمع تحكمه العادات خيرها و شرها أكثر مما يحكمه عقله و قلبه .. قد يكون الحديث في هذا الموضوع ضربا من المخاطرة أو الجرأة النادرة إلا أن عظمة القضية و انتشارها و تجاهلها رغم تقادمها دفعني إلى هذا الحديث .. إنها مأساة أن تعامل كل مطلقة بهذه الطريقة و تواجه بهكذا تجاهل أو نفور .. كل في منازلنا من مطلقات و كم في مجتمعنا من تعاني من نظرة قاصرة أكثر من مرارة الحرمان و الترمل .. أتمنى أن ننظر إليها نظرة الإسلام الصحيحة بعيدا عن الشكوك و الانتقاص و العادات السيئة الممجوجة التي ما أنزل الله بها من سلطان .. لا تجمعوا على هؤلاء النسوة ( المطلقات ) نارين في وقت واحد فراق في العشرة و فراق في العشيرة !! حسسوها أنها لم تفقد شيئا , أعيدوا إليها الأمل و الثقة في نفسها بكلماتكم الجميلة المشجعة لا المحبطة .. لا تعيروها بطلاقها فتجرحوا إحساسها و تكسروا نفسيتها .. أنظروا إليها أختا لكم لا فتاة غريبة منكوبة و مبتلاة ..
ليس هذا الموضوع من البساطة و الندرة بحيث نسكت عنه بل هو جليل و مستفحل و شائع و أتمنى من كل مؤمن بهذه القضية أن يقول فيها الحقيقة و يشبعها ردا و ينقلها لمن يجهلها بمزيد من التوضيح و الإبانة ..
ليعلم الجميع أن مجتمعنا اليمني من أكثر المجتمعات العربية طلاقا .. و من حسن حظنا أن فتياتنا يتمتعن بالصبر الطويل و احتمال المحن و لهن الله أولا و أخيرا ..
أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب و يرضى .. إنه على ما يشاء قدير . .
و الحمـد لله رب العالمين .



