يقول تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ{1} وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ{2} لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ{3} تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ{4} سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ{5}...} صدق الله العظيم ..
أخبرنا رسولنا الكريم صلوات الله عليه أن أعمار هذه الأمة قصيرة عن أعمار الأمم السابقة، حيث تتراوح بين الستين والسبعين وقليل من يتجاوز ذلك ، ولذلك نجد أن الله عوضنا عن ذلك بأمور أخرى كثيرة منها منحهم ليلة، هي "ليلة القدر" التي هي خير من ألف شهر، أي أن قيامها والعمل فيها خير من العمل في ألف شهر من غيرها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم...
سميت ليلة القدر بذلك لعدة معان، منها لشرفها وعظيم قدرها عند الله، وقيل لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، لقوله تعالى: "فيها يفرق كل أمر حكيم"، وقيل لأنه ينزل فيها ملائكة ذوات قدر، وقيل لأنها نزل فيها كتاب ذو قدر، بواسطة ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، وأمة ذات قدر، وقيل لأن للطاعات فيها قدراً عظيماً، وقيل لأن من أقامها وأحياها صار ذا قدر.
ولذلك وجهنا الرسول الكريم للحرص على قيام العشر الأواخر من رمضان , ولو أن تضطر إلى تأجيل الأعمال الدنيوية , فلعلك تحظى بقيام ليلة القدر , فإن قيامك فيها تجارة عظيمة لاتعوض .
فقيام ليلة القدر وهي إحدى ليالي الوتر من العشر الأخير من رمضان أفضل عند الله من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر وذلك لقوله تبارك وتعالى { ليلة القدر خير من ألف شهر } أي ثواب قيامها أفضل من ثواب العبادة لمدة ثلاث وثمانين سنة وثلاثة أشهر تقريبا .
ولو أصاب مسلم ليلة القدر فقامها لمدة عشرين سنة فإنه يكتب له بإذن الله ثواب يزيد على من عبد الله ألفا وستمائة وستة وستين سنة.
فالعمل فى ليلة القدر من الصلاة والتلاوة ، والذكر ، خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر . أخرج البخاري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من صام رمضان إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ، غفر له ما تقدم من ذنبه ".
أخرج الشيخان ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ) أخرجه البخاري ومسلم . قال ابن حجر في الفتح – بعد أن أورد الأقوال الواردة في ليلة القدر- : وأرجحها كلها ، أنها في وتر من العشر الأخيرة ، وأنها تنتقل كما يفهم من أحادث هذا الباب .. وأرجاها أوتار العشر ، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ، ليلة أحدى وعشرين ، أو ثلاث وعشرين ، على ما في حديث أبي سعيد وعبدالله بن أنس .. وأرجاها عند الجمهور ، ليلة سبع وعشرين .
والحكمة فى إخفاء ليلة القدر كما اوضح العلماء هى تحصيل الإجتهاد في إلتماسها ، بخلاف ما لو عينت لها ليلة لأقتصر عليها قيامها والدعاء فيها ،روى أحمد ، وأبن ماجه والترمذي ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : {قلت يا رسول الله ! أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ، ما أقول فيها ؟ قال قولي : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني}.....
وتأتي أهمية قيام ليلة القدر أنها ليلة يحدد فيها مصير مستقبلك لعام قادم ففيها تنسخ الآجال , وفيها يفرق كل أمر حكيم، فاحرص أن تكون فيها ذاكرا لله ومسبحا له , أو قارئا للقرآن , أو قانتا لله , تسأله السعادة في الدنيا والآخرة , وإياك أن تكون فيها في مواطن الغفلة , كالأسواق ومدن الملاهي ومجالس اللغو فيفوتك خير كثير
اللهم بلغنا ليلة القدر أجرها وثوابها وعظمتها وشرفها وكرامتها