

في تفسير قوله ـ تعالي ـ :
... وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج*( الزمر
ذكر ابن كثير( رحمه الله) ما مختصره:... أي وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج, وهي المذكورة في سورة الأنعام من الضأن اثنين, ومن المعز اثنين, ومن الإبل اثنين, ومن البقر اثنين,....
وجاء في تفسير الجلالين( رحم الله كاتبيه) ما نصه
وذكر صاحب الظلال( رحمه الله رحمة واسعة) ما نصه:... والأنعام الثمانية كما جاءت في آية أخري هي: الضأن والمعز والبقر والإبل. من كل ذكر وأنثي. وكل من الذكر والأنثي يسمي زوجا عند اجتماعهما. فهي ثمانية في مجموعها... والتعبير بأنه إنزال لها من عند الله يعبر عن تسخيرها للإنسان, فهذا التسخير منزل من عنده. منزل من عليائه إلي عالم البشر. ومأذون لهم فيه من عنده تعالي....
وجاء في تفسير السعدي( رحمه الله) ما نصه
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن( رحمة الله علي كاتبه) ما نصه
وذكر صاحب صفوة التفاسير( جزاه الله خيرا) ما نصه:... أي وأوجد لكم من الأنعام المأكولة وهي ـ الإبل, والبقر, والغنم, والمعز, ثمانية أزواج من كل نوع ذكرا وأنثي. قال قتادة: من الإبل اثنين, ومن البقر اثنين, ومن الضأن اثنين, ومن المعز اثنين, كل واحد زوج, وسميت أزواجا لأن الذكر زوج الأنثي, والأنثي زوج الذكر. قال المفسرون: والإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه.
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم( جزاهم الله خيرا) ما نصه: وأنزل لصالحكم ثمانية أنواع من الأنعام ذكرا وأنثي: وهي الإبل والبقر والضأن والماعز.
الأنعام في القرآن الكريم
جاء ذكر الأنعام في القرآن الكريم في ثلاثة وثلاثين(33) موضعا, منها ستة وعشرون(26) بلفظ( الأنعام), وفي موضعين(2) بلفظ( أنعاما), وفي ثلاثة مواضع(3) بلفظ( أنعامكم), وفي موضع واحد(1) جاءت مرتين, مرة بلفظ( أنعامهم) ومرة أخري(1) بلفظ( النعم).
هذا وقد سميت خامس سور القرآن طولا باسم سورة الأنعام. ولفظة( الأنعام) مستمدة من( النعمة) وهي المنة, واليد, والصنيعة, وذلك لأن( الأنعام) من أعظم وأجل المخلوقات التي أنعم الله ـ تعالي ـ بها علي الانسان لما فيها من الفوائد الكثيرة والمنافع العديدة. يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه:
أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون* وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون* ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون*.
(يس
و( النعمي) و( النعماء) و( النعيم) كلها ألفاظ مستمدة كذلك من( النعمة). والعرب يطلقون لفظة( الأنعام) أساسا علي الإبل, والقرآن الكريم يضيف إليها كلا من البقر والضأن والمعز( سورة الأنعام: الآيات142 ـ144). وتعرف( الأنعام) باسم المال الراعية, وواحدتها( النعم). قال الفراء: هي ذكر لا يؤنث لأنهم يقولون: هذا نعم وارد, وجمعه( نعمان) علي وزن حمل وحملان, وجمع الجمع( أنعام) و( أناعيم).
الأنعام في علم الحيوان
الأنعام(Cattle=FamilyBovidae)
هي إحدي عائلات الحيوانات المجترة(Ruminants) ذات الحافر(Super-OrderUngulata) زوجية الأصابع(Even-ToedUngulates=OrderArtiodactyla)
وهي حيوانات ولودة, تحمل صغارها داخل جسم الأم, وترتبط الصغار مع الأم بواسطة المشيمة حتي تضعها وهي كاملة النمو, وتتميز الأم بوجود غدد خاصة لإفراز اللبن الذي ترضعه صغارها حتي تفطم, ولذلك تضم في مجموعة الثدييات المشيمية
(PlacentalMammals=ClassMammalia,SubclassEutheria)
وهي حيوانات ذات فقار ولذلك توضع تحت قبيلة الفقاريات(SubphylumVertebrata)
ولها حبل عصبي مركزي, ولذلك تضم إلي قبيلة الحبليات(PhylumChordata), وعلي ذلك تصنف الأنعام في علوم الحيوان علي النحو التالي:
(1) المملكة الحيوانية(KingdomAnimalia)
(2) قبيلة الحبليات(PhylumChordata)
(3) تحت قبيلة الفقاريات
(SubphylumVertebrata)
(4) طائفة الثدييات(ClassMammalia)
(5) تحت طائفة الثدييات المشيمية
(SubclassEutheria)
(6) فوق رتبة الحافريات
(SuperOrderUngulata)
(7) رتبة زوجيات الأصابع
(OrderArtiodactyla)
(8) تحت رتبة المجترات
(SuborderRuminant)
(9) عائلة الأنعام( الأبقار)(FamilyBovidae)
وكغيرها من الثدييات تتميز الأنعام بأنها حيوانات ولودة ترضع صغارها وبوجود الشعر أو الفرو أو الصوف الذي يكسو جلدها, وبوجود الغدد العرقية والدهنية واللبنية في جلودها, وبتميز أسنانها إلي قواطع وأنياب وأضراس, ويتكون كل من فكيها من عظمة واحدة, وبوجود الحجاب الحاجز الذي يفصل التجويف الصدري عن التجويف البطني. وهي حيوانات ذات دم حار, ويعمل كل من الشعر أو الفرو أو الصوف الذي يغطي الجلد والغدد العرقية علي حفظ درجة حرارة ثابتة لأجسامها, وهو ما يساعدها في التغلب علي تغيرات الجو.
ومن ذلك يتضح أن الأنعام من الحيوانات الثديية( اللبونة), وهي من الفقاريات التي اختصها الله ـ تعالي ـ بالقدرة علي إفراز اللبن من بين فرث ودم لإرضاع صغارها حتي تكبر ولذلك ميزها الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ بعدد من الغدد الخارجية القادرة علي إفراز اللبن تعرف باسم الأثداء أو الضروع.
وعلي الرغم من قلة أنواع الثدييات المعروفة( أكثر قليلا من أربعة آلاف نوع) فإنها تشكل طائفة خاصة من طوائف الحيوان التي تتوزع توزعا فاعلا في جميع بيئات الأرض, وتلعب دورا مهما في تبادل المادة والطاقة بينها وبين تربة الأرض, قل أن تشاركها فيه مجموعة أخري من مجموعات الحياة الأكثر عددا مثل الحشرات أو الطيور.
والأنعام من آكلات الأعشاب, التي ميزها الله ـ تعالي ـ بالإجترار, وهيأ لها جهازا هضميا خاصا قادرا علي هضم كل من الأعشاب وأوراق الأشجار, وغير ذلك من الأعلاف الخشنة, وزود هذا الجهاز الهضمي بقدر من الكائنات الحية المجهرية الدقيقة التي تتعايش معه لتعينه علي هضم المواد السيليولوزية المعقدة في معدة الإجترار, وتزيد من القيمة الغذائية لتلك المواد بتحويل النيتروجين العضوي الناتج عن عملية تخمر الطعام إلي عدد من الأحماض الأمينية, كما تقوم علي تجهيز أعداد من الفيتامينات المهمة.
والأنعام تشمل بالإضافة إلي كل من الإبل, والبقر, والضأن, والمعز( وهي من الحيوانات المستأنسة) عددا من الحيوانات.. البرية مثل الظباء, والزراف والغزلان. وجمع القرآن الكريم للأنواع المستأنسة تحت مسمي الأنعام كما جاء في السورة التي تحمل هذا الإسم سبق علمي لجميع المعارف المكتسبة بأكثر من إثني عشر قرنا كاملة, وتأكيد علي فكرة جمع الحيوانات المتشابهة في وحدات تصنيفية وهو ما يعرف بإسم علم التصنيف.
أما الحافريات أحادية الأصابع أي التي لها إصبع واحد بجوار الحافر أو الظلف(Odd-(toedUngulates=OrderPerissodactyla- فتشمل من الحيوانات المستأنسة الخيل والبغال والحمير وأشباهها ومن الحيوانات البرية تشمل كلا من الكركدن(Rhinocerose) والتابيرTapir, وأشباهها. والقرآن الكريم فصل بين هذه الرتبة والأنعام وجمع بينهما في سياق واحد, كما جاء في سورة النحل حيث يقول ربنا ـ تبارك وتعالي:
والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون* ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون* وتحمل أثقالكم إلي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم* والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالاتعلمون*.)( النحل
وهذا التمييز الدقيق والجمع في آن واحد بين الحيوانات الثديية المشيمية المجترة.
TheRuminantPlacentalMammals
كما جاء في سورتي الأنعام والنحل يعتبر سبقا علميا حقيقيا لكل المعارف المكتسبة بأكثر من إثني عشر قرنا كاملة, كما يعتبر تأييدا لفكرة تصنيف الكائنات الحية التي تنسب إلي العالم السويدي لينيسLinnaeus في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي(1758 م). فهذه المجموعة من الحيوانات قسمها القرآن الكريم إلي الأنعام( الضأن, والمعز, والإبل, والبقر) وهي من الحيوانات المستأنسة, ويضم إليها علماء الحيوان كلا من الظباء والزراف, والغزلان وأشباهها وهي من الحيوانات البرية, ويضعون الجميع في رتبة ذوات الحافر أو الظلف مزدوج الأصابع
TheEven-toedUngulates=OrderArtiodactyla ويضع علماء التصنيف كلا من الخيل والبغال والحمير من الحيوانات المستأنسة وأشباهها, وكلا من الكركدن, والتابير وأشباههما من الحيوانات البرية في رتبة أخري تعرف باسم رتبة ذوات الحافر( أو الظلف) والإصبع الواحد
(TheOdd-toedUngulates=OrderPerissodactyla وللشبه الكبير بين هذه الحافريات جمع القرآن الكريم بينها, ولكنه فصل بين الأنعام من جهة والخيليات( الحصانيات) من جهة أخري.
من الدلالات العلمية للنص الكريم
يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ:
.. وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج..*
( الزمر
وأجمع المفسرون علي أن الأزواج الثمانية من الأنعام هي من الضأن اثنان, ومن المعز اثنان, ومن الإبل اثنان, ومن البقر اثنان( ذكر وأنثي) كما جاء في سورة الأنعام( الآيات142 ـ144), ولكن إختلفوا في تفسير دلالة الفعل( أنزل). فمنهم من قال: خلق لكم من ظهور الأنعام, أو خلق لكم من الأنعام, أو سخرها للإنسان بمعني أن التسخير منزل من عند الله ـ تعالي ـ من عليائه إلي عالم البشر, ومأذون لهم فيه من عنده تعالي, ومنهم من قال: إن الله ـ سبحانه وتعالي ـ عبر عن الخلق بالإنزال لأن الخلق إنما يكون بأمر من السماء, ومنهم من قال: وأوجد لكم من الأنعام المأكولة, وأن المقصود بالإنزال هو نزول أمر الله وقضائه, ومنهم من قال في معني الإنزال هو الإنزال لصالح الناس, ومنهم من قال: خلقها بقدر نازل منه رحمة بالناس. ولم يتخيل أحد من المفسرين إمكانية أن يكون الإنزال إنزالا حقيقيا لصعوبة ذلك علي أفهام الناس نظرا لضخامة أحجام الأنعام, وإن كان الله ـ تعالي ـ علي كل شئ قدير, ولكن يمكن أن يفسر ذلك بإنزال الشيفرة الوراثية لكل منها وهي لاتشغل حيزا أكبر من واحد من المليون من الملليمتر المكعب خاصة وقد ثبت وجود بكتيريا حية شبيهة بالأنواع الأرضية في العديد من النيازك التي وصلت إلي الأرض من السماء.
الحياة خارج أرضنا وإنزالها إلي الأرض:
في سنة1864 م نزلت مجموعة من النيازك بالقرب من مدينة أورجيلOrgeuil في جنوب غربي فرنسا, وقد درست هذه النيازك في الثلاثينيات الأولي من القرن العشرين وثبت إحتواؤها علي عنصر الكربون علي هيئة رقائق كروية الشكل مزدوجة الجدار تحيط بحبيبات من مواد غير عضوية وبدراسة هذه الرقائق وجد أنها تشبه الفيروسات والجراثيم والفطريات, والأبواغ والبكتيريا المكورة.
وفي سنة1960 م إكتشف الأمريكيان جورج كلاوس وبارت ناجيGeorgeClaus&BartNagy,1960 أشكالا مشابهة في كل من نيازك أورجيل ونيازك أخري نزلت في تنزانيا بالقرب من إفوناIvuna في سنة1938 م.
وفي سنة1979 إكتشف هانز ديتر فلوجHansDieterPflug في نيزك نزل بالقرب من مدينة مرشيزونMurchison بولاية فيكتوريا بأستراليا أشكالا عديدة شبيهة بما وجد في النيازك المشار إليها آنفا, وهو ما أكد له أن جميع البقايا الكربونية في تلك النيازك هي بقايا لكائنات حية, وأن أصل الحياة علي الأرض قد أنزل إليها من السماء فيما يعرف اليوم باسم نظرية الأصل الكوني للحياةTheCosmicTheoryofLife وقد دعم هذه النظرية مانشره ليسنكوS.V.Lysenko في نفس السنة(1979 م) عن وجود حياة بكتيرية في الطبقة العليا من الغلاف الغازي للأرض علي ارتفاع بين50 كم و75كم فوق مستوي سطح البحر, وهو ما دفعه إلي الإعتقاد بأن جميع صور الحياة الأرضية من نباتية وحيوانية قد تكونت من جينات من أصل كوني سماويCosmicGenes
والحقيقة أن فكرة انتشار الحياة في المادة بين النجوم ليست فكرة جديدة فقد سبق أن نادي بها كل من الفيزيائي البريطاني لورد كلفنLordKelvin في القرن التاسع عشر الميلادي, والكيميائي السويدي أرهينيوسSvanteArrhenius في أوائل القرن العشرين, وأطلقوا عليها اسم نظرية انتشار الحياةThePanspermiaTheory بمعني أن الشيفرات الوراثية الخاصة بكل نوع من أنواع الحياة تنتشر في المادة بين النجوم وينزل منها إلي الأرض ماينزل في كل زمان ومكان حسب مخطط في غاية الدقة والإحكام.
وقد فصل هذه القضايا الفلكي البريطاني الشهير فريد هويل في كتابه المعنون الكون الذكي: نظرة جديدة في الخلق والتطور
FredHoyle1983:TheIntelligentUniverse,
ANewviewofCreationandEvolution.
وعلي ذلك فإن النص القرآني الذي يقول فيه ربنا ـ تبارك وتعالي ـ:
... وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج..*
(الزمر
يشمل إنزال الأمر الإلهي بالخلق والتسخير, كما يشمل إنزال الشيفرة الوراثية التي يمكنها أن تنشط في أي وسط طيني ليخلق الله ـ تعالي ـ مايشاء, وهو علي كل شئ قدير.
وسبق القرآن الكريم لجميع المعارف المكتسبة بأكثر من اثني عشر قرنا بالإشارة إلي إنزال الحياة من السماء يؤكد لكل ذي بصيرة أن هذا الكتاب الخالد لايمكن أن يكون صناعة بشرية, بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله, وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية وحفظه حفظا كاملا في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ علي مدي يزيد علي الأربعة عشر قرنا, وتعهد بهذا الحفظ إلي قيام الساعة حتي يبقي القرآن الكريم حجة علي جميع الخلق إلي يوم الدين.
فالحمد لله علي نعمة الإسلام العظيم, والحمد لله علي نعمة القرآن الكريم, وصلاة الله وسلامه علي النبي والرسول الخاتم الذي تلقاه وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
مقال للدكتور زغلول النجار بجريدة " الاهرام " المصرية
